الشيخ أحمد فريد المزيدي
187
الإمام الجنيد سيد الطائفتين
يقول الجنيد : الخوف من اللّه يقبضني ، والرجاء منه يبسطني ، والحقيقة تجمعني ، والحق يفرقني ، إذا قبضني بالخوف أفناني عني ، وإذا بسطني بالرجاء ردّني ، وإذ جمعني بالحقيقة أحضرني ، وإذا فرقني بالحق أشهدني غيري فغطاني عنه ، فهو تعالى في ذلك كله محركي غير مسكني ، وموحشي غير مؤنسي ، فأنا بحضوري أذوق طعم وجودي ، فليته أفناني عنّي فمتّعني ، أو غيّبني عنّي فروّحني « 1 » .
--> ( 1 ) انظر : الرسالة للقشيري ( 1 / 198 ) ، وعقب الشيخ ابن عجيبة بقوله : قوله رضي اللّه عنه : ( الخوف يقبضني ) لأن العبد في حالة الخوف يشهد ما منه إلى اللّه من الإساءة فينفتح له باب الحزن وفي حالة الرجاء يشهد ما من اللّه إليه من الإحسان فينفتح له باب الرجاء والبسط . وقوله : ( والحقيقة تجمعني ) أن تغنيني عن نفسي وتجمعني به ، فلا نشهد إلا ما من اللّه إلى اللّه فلا قبض ولا بسط . وقوله : ( والحق يفرقني المراد ) بالحق الحقوق اللازمة للعبودية ، فلا ينهض إليها إلا بشهود نوع من الفرق ، وإن كان نهوضه باللّه . وقوله : ( إذا قبضني بالخوف أفناني عني ) أي تجلى لي باسمه الجليل ذاب جسمي من هيبة المتجلي ، وإذا بسطني بالرجاء بأن تجلى لي باسمه الجميل أو الرحيم رد نفسي ووجودي علي ، وإذا جمعني إليه بشهود الحقيقة أحضرني معه بزوال وهمي ، وإذا فرقني بالحق الذي أوجبه علي للقيام بوظائف حكمته أشهدني غيري حتى يظهر الأدب مني معه ، وقد يقوي الشهود ، فلا يشهد الأدب إلا منه إليه وقوله : فغطاني عنه ، لأن العبد في حالة النزول إلى سماء الحقوق أو أرض الحظوظ ، قد يرجع لمقام المراقبة لكنه غير لازم ، بل نزلوا في ذلك باللّه ومن اللّه وإلى اللّه ، فعلى هذا لا تغطية للعبد في حالة النزول للحق أصلا . وقوله : ( فهو في كل ذلك محركي غير مسكني ) يعني أن الحق تعالى حين يقبضه بالخوف أو يبسطه بالرجاء أو يجمعه بالحقيقة أو يفرقه بالحق ، هو محرك له ليسيره إليه ، ويحوشه إليه غير مسكن له في مقام واحد ، وموحشه عن عالم نفسه غير مؤنس له بها بسبب حضوره مع عوالمه البشرية ، فيذوق طعم وجودها ، فإذا غيبه عنه عرف قدر ما منّ به عليه ، ولذلك قال : ( فليته أفناني عني ) أي عن رؤية وجودي ، فمتعني بشهوده ، ( أو غيبني عن حسي ، فروحني ) من الحقوق التي تفرقني عنه ، بإسقاطها عني في حالة الغيبة ، وكأنه مال إلى طلب السلامة ، خوفا من الوقوع فيما يجب الملامة ، وإن كان الكمال هو الجمع بين العبودية وشهود الربوبية واللّه تعالى أعلم .